ليبيا بين مطالب رفع حظر السلاح ومشكلات السياسة.....د. خيري عمر

شكلت قضية رفع حظر السلاح مطلباً حيوياً للحكومة الليبية، عبر العامين الماضيين، وخصوصاً بعد تشكيل مجلس النواب في أغسطس/ آب 2014، غير أن النزاع على السلطة وتصاعد الصراع المسلح، دفع الأمم المتحدة إلى رفض مطالب الحكومة المؤقتة وجامعة الدول العربية برفع الحظر، بيدَ أن إنجاز اتفاق الصخيرات وظهور حكومة "الوفاق الوطني" أعادا النقاش حول هذه المسألة الحيوية، وتضع الظروف المعقدة، التي تشهدها البلاد، المطالبة برفع الحظر بين حالتين متناقضتين؛ رفع الحظر أو استمرار تهريب السلاح، مما يزيد الالتباس بين تحديد السلاح الشرعي وفوضى السلاح. 

دوافع رفع حظر السلاح


طالبت "حكومة الوفاق" (18 مايو/ أيار 2016) برفع حظر السلاح، وذلك في سياق اقترابها من مزاولة مهامها، بعد استلام كثير من المقرات الحكومية في طرابلس، ويشكل استلام وزارة الداخلية وبدء وزير الدفاع المكلف (مهدي البرعثي) في التواصل مع الجهات العسكرية المختلفة، في شرق ليبيا وغربها مرحلة مهمة من بناء السلطة، مما يمكن اعتباره بمثابة الترتيبات الأساسية لتوحيد الكيانات العسكرية والأمنية، تحت سلطة الحكومة، ولعل الدافع الرئيسي للمطالبة برفع حظر السلاح، يرجع إلى حاجة الحكومة للسلاح، لإسناد عملية "البنيان المرصوص" ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سرت، باعتباره تهديداً للسياسات الانتقالية. 

فقد شكلت سيطرة "داعش" على مناطق خارج مدينة سرت، وعلى مقربة من تخوم مصراتة (القرين)، تحدياً استراتيجياً للحكومة في طرابلس، حيث أن استقرار "داعش"، في هذه المناطق، يدفع البلاد نحو نقل الصراعات المسلحة للمنطقة الغربية، بعد انتهائها، في منتصف العام الماضي، عبر تسويات بين القبائل والمدن. 

ومن جانب آخر، صاحب تمدد الدولة الإسلامية "داعش" في المناطق المحيطة في وسط ليبيا، شروع خليفة حفتر في نقل وحدات من "الجيش الليبي" لمحاربة "داعش"، عبر القيام بعمليةٍ مسلحةٍ، مما يشكّل مسألةً حرجةً، بسبب نشر العديد من القوات المتنافرة على مسافات متقاربة، وكانت هذه النقطة واحدةً من ملاحظات إحاطة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتن كوبلر، لمجلس الأمن، حيث أشار إلى أن تقارب هذه القوات يزيد من فرص اندلاع صراعٍ بين القوات التابعة للحكومتين (الوفاق الوطني والمؤقتة)، مما يفتح آفاق الصراع المسلح، ويؤدي إلى انهيار الاتفاق السياسي. 

مسيرة حظر السلاح

ومع اندلاع ثورة فبراير، أصدر مجلس الأمن قراراتٍ عديدة تصدّت للأزمة في ليبيا، كان 

أولها القرار 1970 في 26 فبراير/ شباط 2011 ، ثم صدر القرار 1973 في 17 مارس/ آذار التالي، ليفرض حظر الطيران ويقرّر حماية المدنيين. ويمكن القول إن القرارين استهدفا فرض قيود على قوات معمر القذافي، ومنعها من التحرّك، سواء ضد المدنيين أو المسلحين، بما يتضمن فرض حظر ورود السلاح إلى أطراف الصراع المسلح، ثم صدر القرار 1995 في 6 يوليو/ تموز 2011، لتنظيم استعمال السلاح في ليبيا، وإجراء تحقيق في جرائم الحرب، ووفق هذه القرارات، لم تتمكّن ليبيا من رفع حظر السلاح، على الرغم من تشكيل الحكومات المنتخبة، منذ انتخابات "المؤتمر الوطني العام" في يوليو/ تموز 2012. 

ومع تشكيل مجلس النواب، صدر القرار 2174 (أغسطس/ آب 2014)، لينظم سياسة توريد السلاح عن طريق "البعثة الدولية"، حيث أناط البعثة بالرقابة على المنافذ الليبية، وتقرير إمكانية رفع الحظر، وهو ما عكس اتجاهاً لدى الأمم المتحدة للتعامل المرن مع الأزمة السياسية في ليبيا. لكن استمرار فرض حظر السلاح ارتبط بعاملين؛ تفاقم الصراع المسلح، وتحوله إلى حربٍ أهلية، وعدم قدرة حكومة مجلس النواب على حسم الصراع، كما أن غياب قواتٍ نظاميةٍ متماسكةٍ عزّز الوضع القائم، فعلى الرغم من صدور قراراتٍ من "مجلس النواب" لإعادة هيكلة "الجيش الليبي"، لم تتمكّن الهيئة العسكرية الجديدة بقيادة خليفة حفتر من إثبات جدارتها في بناء الجيش، أو إحراز تقدم نوعي، يمكن البناء عليه في المنطقة الشرقية. 

وفي مارس/ آذار 2016، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2278، ويقضي بتمديد حظر السلاح حتى يوليو/ تموز 2017، وهو يتعلق بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا. وفي الوقت نفسه، أكّد على مكافحة التجارة غير المشروعة للنفط، وهو مستوى لا يعكس تغيراً نوعياً في الموقف الدولي، على الرغم من إعلان دولٍ كثيرة عن تأييدها رفع الحظر أو تخفيفه، للمساعدة في تكوين أجهزة الدولة، ودعم السلاح الشرعي، سياسة للخروج من فوضى انتشاره. 

وخلال المراحل الانتقالية السابقة، كان واضحاً أن استمرار فرض حظر السلاح ارتبط بعدم استقرار الحكومات، التي تشكلت، من يوليو/ تموز 2012 إلى يونيو/ حزيران 2014، حيث شهدت ثلاث حكوماتٍ، لم تستطع أية منها حل المشكلات الأمنية، أو الشروع في بناء الجيش، وكانت فترة حكومة علي زيدان (4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 - 11 مارس/ آذار 2014) كثيرة الاضطراب وضعيفة الأداء. فمن جهةٍ، تدهورت المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتفاقمت الاغتيالات السياسية. ومن جهةٍ أخرى، لم تتبنّ الحكومة سياسة اقتصادية واضحة، بشكلٍ أضعف الثقة في قدرة الدولة على السيطرة على السلاح، وقد تبلورت هذه المشكلات في ظل الصراعات والانقسامات داخل المؤتمر الوطني العام، مما مهّد الطريق لدخول الدولة في صراعٍ مسلّحٍ، منذ مايو/ أيار 2014، وهي فترة شهدت حالةً من تقاسم المؤسسات السياسية والنزاع بين حكومتين في طرابلس وطبرق، مما أحدث مناخاً لم تتوفر معه فرصة لمناقشة رفع حظر السلاح. 


"الوئام الوطني" والاتفاق السياسي

في 6 مايو/ أيار 2016، طرح 21 نائباً في مجلس النواب من الجنوب مبادرة "الوئام

الوطني"، تناولت المسائل الخلافية حول الاتفاق السياسي، وأشارت، بشكل خاص، إلى إلغاء المادة 8 من الأحكام الإضافية، وأيضاً إلغاء وزارة الدفاع، ونقل صلاحيات القائد الأعلى إلى المجلس الرئاسي مجتمعاً. وتشير هذه المبادرة إلى أن تعقيدات المرحلة الانتقالية الجديدة تكمن في عاملين؛ استمرار المؤسسات التي تسبّبت في الأزمة، وتزايد الجدل حول مشروع الدستور، مما يضعف فرص إنجاز المهام الانتقالية. 

وقد تأسست مبادرة "الوئام الوطني" على فرضية أن حالة الجمود السياسي ترجع إلى غموض اتفاق الصخيرات، وزيادة حدّة الخلافات السياسية، مما يدفع نحو إخفاق المرحلة الانتقالية القصيرة والمحدودة، ومن الواضح أن هذه الفرضية لا تأخذ بعين الاعتبار أن الاختلاف ليس على تفسير المادة 8 بقدر ما هو يدور حول وجودها. وهناك أطرافٌ تطالب بحذفها، لأجل استمرار الوظائف العسكرية، كما هي من دون تغيير. وبالنظر إلى الإجراءات، التي تبنتها مبادرة "الوئام الوطني"، يتضح أنها خاطبت مجلس النواب والمجلس الرئاسي، فيما لم تذكر "المجلس الأعلى للدولة"، مع أنه هيئة دستورية، كما أنها ركّزت على توسيع حكومة الوفاق الوطني، بإضافة سبع وزارات جديدة، وإلغاء وزارة الدفاع واحتفاظ القائد العام (خليفة حفتر) بموقعه الحالي. 

ويمكن القول إن المبادرة حاولت تقديم تصوراتٍ لتجاوز الخلاف السياسي، لكنها لم تضع حلولاً تعزّز استمرار الاتفاق، من دون حدوث تغيراتٍ جوهرية، فبجانب اختزالها المشكلة في طرفين؛ مجلس النواب والمجلس الرئاسي، لكنها لم تضع خريطةً لإنجاز مهام المرحلة الانتقالية، فقد اقتصرت على تسوية الخلافات حول الشؤون العسكرية، من دون التطرق إلى وضع رؤيةٍ شاملة للوصول إلى الدستور. 

وبشكل عام، يمكن ملاحظة أن المبادرة لا تلاحق التطورات التي حدثت منذ وصول "المجلس الرئاسي" إلى العاصمة (طرابلس). وفي ظل تشتت الخلافات داخل مجلس النواب، وتفاقم المشكلات حول إقرار حكومة الوفاق، أصدر "المجلس الرئاسي" قراراً بتفويض الوزراء بمزاولة مهامهم، مما يشكل خطوةً نحو تجاوز التعقيدات السياسية، وتوفير الحد الأدنى من السلطة، لتسيير شؤون الدولة، كما شكل "الرئاسي"، بصفته القائد الأعلى، هيئات عسكرية جديدة، في مقدمتها "الحرس الرئاسي" في 9 مايو/ أيار 2016، وغرفة عمليات لإدارة حملة "البنيان المرصوص"، لمحاربة "داعش" في سرت، كما صدرت تصريحاتٍ تحدّد ملامح سياسة تكوين الجيش على أساس مبدأ المواطنة، وتفويض وزير الدفاع (البرعثي) بممارسة مهامه. 


أزمة السيولة النقدية

وفي سياق الأزمات السياسية، ظهرت مشكلة طباعة جديدة للدينار الليبي. وبغض النظر عن الشروط الفنية لإصدار الطبعة الجديدة، ومعايير طرحها للتداول، فإن إصدارها على هذا النحو يرسّخ الطابع الثنائي للسلطة النقدية وثنائية الطباعة أيضاً؛ في روسيا وبريطانيا. وهنا، يمكن النظر إلى دخول أزمة السيولة النقدية للصراع السياسي، عبر إصدار المصرف المركزي أربعة مليارات دينار ليبي، بالإضافة إلى استلام "حكومة الوفاق" 120 مليوناً مطبوعة في بريطانيا، مما يضع السيطرة على طباعة النقود ضمن دوائر الصراع السياسي. ويمكن قراءة هذا المشهد من وجهة زيادة الانقسام بين مؤسسات الدولة، وهو، في حالة السياسة النقدية، سوف يؤدي إلى آثار تضخمية، تربك المسار السياسي، حيث تشكل تحدياً لقراراتٍ تتسق مع توجهات حكومة الوفاق لإعادة الانضباط إلى الجهاز الإداري، وذلك حينما أصدر قراراً في 6 مايو/ أيار يقضي بوقف اجتماعات مجلس الأمناء والجمعيات العمومية للشركات والمؤسسات والهيئات التي تساهم فيها الدولة. 

"البنيان المرصوص" والمعادلة العسكرية

وخلال ترتيبات "حملة البنيان المرصوص"، تمكنت "حكومة الوفاق" من التوافق مع "حرس 

المنشآت النفطية"، لتصير منطقة وسط وغرب ليبيا تحت سيطرة حكومة الوفاق، أو متحالفة معها، وهو ما يشكّل أرضيةً للعمل العسكري المشترك. وأيضاً يحدّد ملامح الجيش الليبي، وعلى الوجه الآخر، يضعف البدائل التي تقترحها "الحكومة المؤقتة" التابعة لمجلس النواب. وهنا، يمكن القول إن السياسة الانفتاحية، التي يتبناها فايز السراج والمجلس الرئاسي، تعمل على بناء إجراءات الثقة التي تضمنها الاتفاق السياسي، لتتزايد احتمالات أن يكون الجيش مؤسسةً وطنيةً محايدة. 
وتشكل نتائج عملية "البنيان المرصوص" ملامح المرحلة الانتقالية الحالية، حيث أن قدرة حكومة الوفاق على التصدّي للمخاطر الأمنية يجعلها محل ثقة الأطراف الدولية، وكذلك الأطراف الليبية، ويمكن أن توفر إجابةً لمطالب مجلس الأمن الدولي، بوجود ضمانات بأن حكومة الوفاق تستطيع السيطرة على الأسلحة الجديدة ، وتمنع وقوعها خارج نطاق السلطة الشرعية، مما يضع "المجلس الرئاسي" أمام تحدّي بناء الهيئات العسكرية والأمنية، وهو ما يساعد على الانتقال بالدولة إلى مرحلةٍ تتبلور فيها حالة من القبول العام لسياسات الحكومة، ولعل موقف البعثة الدولية كان أكثر وضوحاً عندما أشار مارتن كوبلر، في جلسة مجلس الأمن ( 6 يونيو/ حزيران 2016)، إلى أن السلاح يكون تحت مظلة "المجلس الرئاسي"، باعتباره السلطة التنفيذية والقيادة العليا للجيش. 
قد يكون ثمة توافق على أن نجاح العملية العسكرية في سرت سوف يعزّز توجهات حكومة الوفاق في بناء الجيش والسياسة الأمنية، فعلى الرغم من اعتراضات ممثل ليبيا في الأمم المتحدة (إبراهيم الدباشي)، يبدو أنه لدى "البعثة الدولية" تصورات تأخذ في الاعتبار الاحتياجات إلى بناء السطة الجديدة، ومخاطر تأجيل "مجلس النواب" منح الثقة للحكومة، على الرغم من الآثار السلبية لتعطل الإدارات الحكومية، وتدهور الوضع الإنساني. ويمكن القول إن مقترح النقاط الست يتقارب مع مبادرة "الوئام الوطني"، لكنها لا تطرح تصوراً يتجاوز الاختناق الراهن بين حكومة الوفاق و"النواب"، لكنه (كوبلر) يبدو متوافقاً مع حملة "البنيان المرصوص" والحملات الأخرى، بما فيها درنة، كسياسة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يشير إلى تغيراتٍ مهمةٍ في تصور الأمم المتحدة عن الكيانات الإرهابية في ليبيا، ويفتح الطريق إلى استيعاب كل الأطراف في العملية السياسية، لعل هذه التوجهات باتت تدرك أن الاتفاق السياسي وصل إلى مرحلة متقدّمة، وأن فتحه النقاش، مرّة أخرى، سوف يعزّز التراجع إلى مرحلة ما قبل صدوره، وما شهدته من تباينٍ في المواقف، وتناقض في المطالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي مجموعة التفكير الاستراتيجي

قيم الموضوع
(0 أصوات)
Go to top